الغراب

09-06-2018 09:36 PM

الغراب

عمان جو -

ذكر الله الخالق العظيم الغراب مودعاً فيه من الأسرار التي تعلّم منها الإنسان الأول في حياته: قال تعالى: 'فبعث الله غراباً يبحث في الأرض لِيُرِيَهُ كيف يواري سَوءة أخيه، قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأوارِيَ سوءة أخي، فأصبح من النادمين' (المائدة: 31).
والحادثة مفزعةٌ مروّعةٌ وقد شهدها الغراب بمفرده؛ لذا يشيب كلّ شيءٍ على الأرض إلا ريش الغراب، والناس حينما يمرّون بمواقف عصيبةٍ يعبّرون عن شدّة ما أصابهم بقولهم: (رأينا يوماً أسود من ريش الغراب) ويعدّ الغراب شاهد الإثبات الوحيد في أوّل حادثة قتلٍ تقع على وجه الأرض، منشأها وسببها الأول الحقد.. لأن الحقد استكثار النعمة على الآخرين. وقد أوحى الله تعالى إلى آدم عليه السلام أن يزوّج أبناءه كلاً من أخيه الذي لم يولد معه في بطنٍ واحدٍ.. أي يتزوّج ذكر البطن الأول من أنثى البطن الثاني.. وكذلك يكون الحال في جميع أبنائه، ولكنّ قابيل لم يرضَ بعدالة التشريع الإلهيّ لإعمار الدنيا فرفض قائلاً فقال له آدم: يا بنيّ هذا حكم الله فينا، وتملّك الحقد قلب قابيل ووقع ما لم يكن في حسبان آدم. ومنذ ذلك الوقت والغراب يعدّ رمزاً للتشاؤم سواءً نعيبه أو لونه الأسود يثير حنق الناس على أن أعظم الريش الأسود في جسم الغراب لا يقارب سواد قلب الإنسان إذا طغى عليه الحقد فَعَمِيَ وأظلم.
وتخبرنا القصة القرآنية عما حدث لابن آدم بعد قتل أخيه عندما أحضر الله له كائناً يريه حرمة ابن آدم. أما لماذا اختار الله الغراب بالذات عن سائر الطيور والحيوانات؟ فلعلّ ذلك يعود إلى أن الله وهب الغراب تميّزاً علمياً واجتماعياً عن غيره من الطيور كما تشير الدراسات التي توصّل إليها علماء السلوك الحيواني، فالغراب من الحيوانات الفواسق التي أجاز الشرع قتلها، وهي من رتبة العصفوريات من الطيور التي تضمّ أكثر من 5100 نوعٍ موزّعةً في 69 فصيلة. وهو قابلٌ لتعلّم الكلام، فقد ثبت أن الغراب الأفريقيّ الرماديّ الذي كانت تمتلكه إحدى البريطانيات كان يحفظ 1000 كلمةٍ وينطقها ببراعةٍ. وهو يمتاز بما يلي:
الذكاء: فقد نشرت جريدة الأهرام المصرية في 29/12/1996 تحت عنوان (ذكاء الغراب يعادل ذكاء الإنسان) أن العلماء في النمسا أثبتوا أن مستوى ذكاء الغراب يعادل ذكاء الإنسان وقرد الشمبانزي، وأنه يمتلك من القدرات ما يرقى به إلى مصاف الكائنات المتميزة.
أ‌- السلوك الاجتماعي: يقول نفس الخبر السابق أنه بعد دراسة دامت 3 سنوات لسلوك الغراب ثبت أن له قدرات ذهنية تمكنه من التعاون بصورة منظمة مع أقرانه عند سلب الفرائس كما أنه يخفي فريسته بطريقة غاية في الذكاء فهو يعيش في مجتمعٍ تحكمه ضوابط وتقاليد تمنع اعتداء أحدها على عشّ غرابٍ آخر أو اغتصاب أنثاه أو أكل طعام الصغار في عشٍّ، فلكلّ حادثةٍ محاكمةٌ وعقوبةٌ تتفق والجريمة المرتكبة. ومعروفٌ أن الغربان لها محاكم تلتزم قوانين العدالة والقسط، ففي حالة اغتصاب العشّ تكتفي المحكمة بهدم العشّ المغتصب وتصرخ مؤنّبةً السارق وتلزمه بإعادة بناء العشّ المغتصب.
وأصوات الغربان لها دلالةٌ ومعنى، فنعيب الغراب دليلٌ ليحذّر أبناء جنسه من خطرٍ قادمٍ، بينما تجد الغراب يصدر أثناء مرحه وفرحه أصواتاً أخرى تشبه القهقهة، فهو طائرٌ ذكيٌّ ومسلٍّ، فإذا راقبتَ جماعةً من الغربان حينما يحين وقت النوم فإنك تجدها تحدث جلبةً وضوضاء وينتقل معظمها إلى مكانٍ آخر بينما يستقرّ الغراب العجوز على فرع شجرةٍ وتبدأ بالدوران حوله في محاولةٍ لإزعاجه، وقد تحطّ بجواره حتى يوشك أن يفقد توازنه، وقد تصطدم به عمداً لزحزحته عن مكانه، فيعلو صراخ ذلك الغراب العجوز بصوتٍ مميّزٍ يدلّل على استنكاره لما يقومون به من أعمالٍ تنتهك حرمة منامه وتقلق راحته. ويقرّر العلماء بأن الغربان تميل إلى المزاح والهزل وتنظّم لنفسها بعض الألعاب المسلّية وتلعب مع بعضها لعبة المسّاكة والاستغماية التي يلعبها الأطفال عادةً. وهي تحبّ الادخار وخاصةً الأشياء التي لها بريقٌ في الشمس، ولهذا نجد لمعظمها مخازن سرية خاصة وقد تكون فتحةً في شجرةٍ أو تحت سقف برجٍ قديمٍ، وقد وجد في أحد هذه المخابئ قطعةٌ من مرآةٍ مكسورةٍ ويد فنجانٍ فضيةٌ وقطعةٌ من صفيحٍ وقطعٌ معدنيةٌ أخرى كلّها تتفق في أنها تتألّق في الشمس.
- من عادات الغراب الاجتماعية:
ليس للغراب ما يحملنا على احترامه.. فإن ثوبه الأسود ونُعابه القبيح وإتلافه وميله للسرقة.. صفاتٍ جعلته محتقراً.. فضلاً عن أن خبثه حمل كثيرين على كرهه.. فهو تارةً يصيح كالديك.. وطوراً يموء كالهرّة.. ومرةً ينبح كالكلب.. ويأتي بأصواتٍ كالصليل الذي تُخَوَّفُ به الطيور في الحقول لئلا تأكل الحبوب. وكذلك غراب الدكتور فرانكلين الذي كان يقول (اكوا) بأحسن إفصاحٍ وهو اسم (الماء) باللغة اللاتينية، لكنّه كان يفضّل شرب الخمر على الماء أن خير بين الإثنين.
وللغربان حذاقةً عظيمةً في تحصيل طعامها، قال الربّان مكلدر: إنه بينما كان يراقب كلّ ما يجري على ظهر سفينته شاهد غرابين في الجهة القطبيّة يحتالان على كلبٍ ليسرقا طعامه.. وكانا يغريانه بأن يتبعهما إلى مسافةٍ ثم يطيران بغتةً إلى طعامه ويخطفان أحسن عظمةٍ منه قبل أن يرجع إليه.
وقد زعم أهالي بعض المدن أن الغربان تميّز أيام الآحاد من غيرها.. فتدنو من أماكن لا تقرّ عليها أبداً في باقي أيام الأسبوع.. ولا يبعد أن يكون زعمهم هذا صحيحاً لأنه لا بدّ أن تلاحظ لفرط انتباهها وفطنتها أشياء كثيرةً يميّز بها يوم الأحد عن غيره (وهذا في المدن التي يحافظ سكانها كلّهم على الذهاب إلى الكنائس أيام الأحد) كَتَرْكِ العمل في الحقول والسكون العام في المدينة ورنين أجراس الكنائس من كلّ جهة.
أما قوّة ذاكرة هذه الطيور فنادراً ما أمكن اختبارها لأنها لا تُدَجّن إلا قليلاً، ومن الحوادث ما يدلّ على أن الغراب يتذكّر بعد زمنٍ طويلٍ الأشخاص الذين كان قد ألِفَهم، فإن رجلاً أميركيّاً أخذ فرخاً من عشّه وأتى به إلى بيته فأولع به كلّ أهل بيته.. لكنه كان دائماً يحنّ إلى الحرية ويتوق إليها.. فاختفى في أحد الأيام وبقي أحد عشر شهراً وأصبح نسياً منسيّاً.. وفي بعض الأيام شوهدت عدّة غربانٍ طائرة بقرب المنزل.. فوقع واحدٌ منها على كتف ربّ المنزل وأخذ ينعب نعاب السرور.. فلم يشكّ أحدٌ من أهل المنزل في أنه هو الغراب المفقود والصديق القديم.. وعرفه صاحبه من عدّة علاماتٍ دلّت عليه وحاول أن يمسكه فطار راجعاً إلى رفاقه بعد أن رفرف حوله ذهاباً وإياباً.. كأنه عرفه وأخذ يحيّيه لكنّه آثر أن يبقى حرّاً.. وذلك مما يؤكّد قوّة الذاكرة لدى الغربان عامةً.

 

 


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمان جو الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمان جو الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.

- يمكنك تسجيل اسمك المستعار الخاص بك لإستخدامه في تعليقاتك داخل الموقع
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

Z.Y.N
جميع الحوقق محفوظة لوكالة عمان جو الاخبارية - 2016
لا مانع من الإقتباس و إعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( عمان جو ) الآراء و التعليقات تعبر عن أصحابها فقط